" ستأتين من فرح
واعزف وحدي
ويرقص في البعدي
تعالي
وضمي اشتعالي
إذا الصحب يوما تداعوا
ونز دمي في اكتمال النشيد
تعالي
وفكي اشتهائي
فتلك الحرائق تبدأ مني على
سحب من جليد ؟
ديوان " اقل مما أقول " لعمر أبو الهيجاء" والذي يأتي بعد دواوينه " خيول الدم، أصابع التراب، معاقل الضوء" تأكيد على تجربة شعرية ذات خصوصية، وإمكانية سبوغور الذات بالتذاذ يتنعم باستكناه الأشياء، ويتأملها مليا، مستبصرا ومسترشدا بضياه الذي يلقيه عليها، فيلبسها لبوسه، لكأني به يعيد تخليق الأشياء ، افترائها على شاكلة الملحوم، وان ظلت الواقعة الفاعلة في امتنانها لغبن الواقع تلمس على امتداد صفحات الديوان مؤكدة خصوصية الشاعر، وانتشائه بجمالياته المخبوءة، وانحنائه لدروسه المعلقة يقول:
" طيع أنا كغيمة الفقراء
حدائق من الزرقة المشتهاة "
ويسترسل مسمدا تصاويره من نأي رافض ، والتحام مرتجف:
"أفيق على جثه الريح قطنا
يبللني من فضاء الشوارع ليل المزاريب" هذه الثنائية المتصالحة الذات/ الأخر، والتي تعي توازنها المنبثق من الشعر الذي يجمع الأضداد في صياغة المكان والزمان والإنسان والأشياء على الهيئة المتوخاة، كل هذا يجعل من عمر أبو الهيجاء متملكا لصوره، وواقفا على أعتاب الرؤية، صادرا عن محاكاة لمنطق الطير، وأشباهه مع موسقة إيقاعية فيها لذة عالية :
" واقرأ وحدي المكاتيب
وتلو على لفة التراب زهر القصيد
واخرج من فضة الماء ضئيلا "
الهم الجماعي تنمحي ملامحه الإعلانية المبتذلة ، وينخر في أعماق الشاعر، يندغم بنظراته على لحم الورق صورا تجعل الخاص عاما، والعام خاصا:
" يا خليل
ارى رصاص الوجه
خريطة تحاور قائلها
وارى مرافئ تستحم بنارها
كما تحتفي بالمطر
وانت يقتلك
السفر"
في الديوان توحد محموم هو توق بشري مشرع يشتهي فيه صاحبة الانعتاق، من ربقة الجسد والتحرر من أغلاله ، وكلما اصطدمت أمنية التطهر برغائب الجسد، كلما اشتد هذا النزاع، انكفاءات الذات على ذاتها، توحدت، وانفطرت روحها عن انصهار سكب كائنات الوجود وحيواته.
" رحيل داخلي
يأتي الى وغنائي منفرد
والعشب طير"
وعند اكتمال الفديعة تعوي الروح
" ما الذي يهز الجهات
هذه العتمة
غير
أصابع الخيبة "
وفي غير ما رومانسية زائفة ، بل هي واقعية جديدة توصف غربة واستلاب الكاتب/ الكائن وارتهائه الموجع
" والجذع منتعش بالهواء
يحن كثيرا
الى غرته المغفوقة
على ادراح الخريف"
وما زفرات التعنت إلا ارتطام بحافة السكين
" ريحا تدمدم في أقواس الكائنات الهاربة من
مقصلة الخراب"
وإذا ما انطوى الديوان على العديد من السمات الأسلوبية التي من أبرزها يقظة الشاعر على الموسيقى
الداخلية ، وزركشته البيوتات الشعرية بقفلاته رائقة يقول :
" شقق أثواب الفتى الدحنوني
وامتلأ حلق الأرض
بالذباب
اخفف تكرر ألفاظ الغبار الحصى ، الرصاص، رقص، التراب، كلما تؤكد توحد ذات مستلبة، وانهمامها بالرقص في مقاومة الغبار.








