بيت العين
بيت رانه نزال الذي تسكن فيه بمزاجها الشعري
نبوءة النسيان وبشارة المرارة

اجترار الحدث وسم الواقع

 

" كان يدق الباب الأخير " الديوان الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في طبعته الأولى للعام 2000م لكاتبه نجوان درويش والذي حمل غلافه لوحة للفنان السوري فاتح المدرس عنوانها " تفصيل من لوحة " تقاطعت فيها وجوه ثلاث لكأني بها وجه الخيبة ووجه اليقظة السوداء ووجه الحزن المرير وحاكت ألوانها البحث في زرقته والأرض في بنيتها والأسود في توضيح الأشياء.. عجيب أمر الأسود كيف هو العتم وهو التجسيد؟

كتابة آسرة مربكة، لا يستسلم فيها القارئ لرغبة ما قبل النوم من قراءة وأدعية ساكنة بل تلك التي تلتمع في عتمة تعتادها العين فتنور.

ثمان وستون صفحة على ورق معاد التصنيع فاخر الملمس وموح بأرواح أخرى كتبت بحروف سرية.. ملمس ورقي يخشوشن في اليد كما المعنى الذي يتعقبه الشاعر، تزويق للعناوين بالخط الأندلسي يعبق منه رائحة الذكرى وكتابة للقصائد بالنسخ والأرقام الهندية جذر العربية ومساحات من البين بين لا هو البياض ولا الرمادي تفصل هذه بين عناوين الديوان والحروف التي تعلن بدء القصيدة.

خس وعشرون قصيدة تهديمية كسرت كل مواضعاتها العرفية وعلقت قلائدها في المغزى البعيد والوحشة الشرسة والصور التعبيرية ريشتها السريالية تستحضر الجماعات البشرية المهجرة والموطنة في غير مكان، الأساطير المنفلتة من عقال الجمعي، استنفار وتوفر حاد تقطع سكينه سكينة المتلقي فإما أن يلقي عنه الديوان أو تخطفه الأورام اللعينة فيه.

يستفتح نجوان مربكا القارئ بإشارة يقول فيها : ط عثر على هذه المدونات في عام 1997-1998 والنصف الأول من 1999م، ولم تسلم حروفها من الفقد، بين حذف وطمس وتحريف". بداية يعلن فيها نكايته لنفسه ومناكفته لها بان أخر قد عثر على ما دون وأخر طمس وحذف أما نجوان فغير مسؤول عن ما كان ولا ما سيكون.

القصيدة تلتمع بكلماتها الموظبة والمهندسة بما يتفق وقطيعة الشاعر، القصيدة متحررة من الوصف والحدث المحمولة للأسماء في اللغة الى أفعال في ظل غياب الفعل انسحاقه كحدث:

" المذبح سرير الأب

والأجراس فاكهة الكنائس

وعليه الأب ينأى

بامرأة الكون

فالراهب أعمى

والبخور حارس..؟

        إدانة مراميها تطال الراهب الأعمى وتشهد للحالة الكنسية بحراسة البخور والمذبح شاهد تاريخ من العمى لعل البخور يفتك بصاحبه!.

        أما الحالة الفلسطينية كواقع أنساني فتحصر التفاصيل اليومية بسحر بساطتها ويقرر الشاعر كينونتها فيه ويسخر واقعها المرير :

" انا لاجئ من كريت

احترف شرب الشاي

بالنعنع في أيام الصيف

وبالميرمية في أيام الشتاء

كلما آوتني لغة

فررت الى حضن أختها

حتى صرت زير لغات!

انا لاجئ من كريت

لا املك سوى أغنيات نسيتها

وبضع تذكارات :

...........

 

............

اعرضها عليكم

لقاء بضعة قروض أو رغيف

.............

انا لاجئ من كريت".

        محاولة حثيثة تحض الشاعر على رفض العنف بقوة يفسرها إحالاته المفتوحة على الواقع البشري فكان هاجسه الخفي أن كلنا من ادم فلم ؟!!!!!

يؤكد ذلك حين قال الحب لي

كن سروه في منامي

فغنيت له بالارمنية

لحنت له مرثاة كردي

وأسكنت شركسا رجلا

في كلامي".

        وكان يقول حالة البشرية المرصودة للقهر والهجير مكممة عن الكينونة أمام سطوة الظلم والعنف وقسوة الترحيل .

        اجتراحات صورية لا حد لها ولا ضابط لعنفها، تجريد للمعاني المألوفة من كل ظلالها ودلالاتها سفر في شعوذة الصورة خاص ومتوقد:

"أتوقد .. انا نار الآية

ومنديل السماوات السبع، أرفرف..

مثل شال في الغروب ".

        حنق ساخط مرير حارق وإصرار على فعل بشع في معايير العرف الجماعي باعثة الخيبة غايته إضرام نار الحقد وإحكام الطوق وتكريس البرؤ  من الانتماء لجماعة تحط رؤوسها في الرمل حتى لو ادعت إنها تحس البيض :

"صرفت المريميات عني

وهبطت من سدم الأعالي

واصطحبت قوادا معي

ودرت وإياه في طرق المدائن

لا أهفو الى شيء

ولا أصبو الى احد".

        فعل نيروني وحريق شاسع يطال الأخضر واليابس :

" انتظر.. فيأتي زمان القش

احرق القش

فيخنقني الهشيم

وهكذا تمضي الفصول".

        تعبير هاجسه تهديم المألوف عن سبق إصرار وترصد، نبش في الاحافير عن أسباب الخراب العميم:

" زكريا .. خيبتني الكتب

وأحزنتني الشعوب

زكريا .. أشفق علي

كفال إني

-       وأنت مسجى في حذاء الرب-

استدي منك كلاما

أو كلاما

 

 

يا زكريا!".

        فعل تهديمي لا يبغي ولا يذر فالوجع الطافح غطى على كل الأشياء ، الوجود رفوف الكتب عظام السري شجر الخريف شواهد القبور رغيف الناس.. وجع يحمله نجوان في جرب ألامه:

" أعليتك

في بروج الحلم

أقصيتني

في مغاور الظنون".

        تهديم لك الرومانسية والشاعرية وكل إحالاتها مع تعميم وطلاق جماعي للقصد تغيب عنه ذات الشاعر المنفردة لتطلق أحكامها كيفما اتفق.. نذر شؤم ونعيب بوم:

" الموسيقى لا تهز أي شيء مطلقا

والاسطوانات جثث باردة"

        عالم من الحلكة مفزع وفقير الى التعمات الضؤ الكاذبة ، فلا برق ولا بريق صواعق تهدم وتحرق :

"وان القصائد الملهمة

حين أتلو مطالعها تتحلل وتسقط على

كمومياء أخرجت من قرها

واني حين اذكر الأصدقاء

أقع في ظلمة سحيقة

لتصفيق حولي وطاويط الكهوف

الى الأبد".

 

شعر ينز، ودمامل قيح ، وتصد هدم:

"إن أفعى الغواية

تلك التي لعنتها الأساطير وجرحتها الكتب المنزلة

جد طيبة ، ومسكينة كأرملة لم يمت زوجها بعد

ومنكسرة كدالية"

        حتى هذه قال عنها:

"في نهاية السطر. قدمت لها حساء بائنا وأعطيتها

قليلا من النقود، وقلت لها " الله معك"

 

استخفاف بالفعل الجماعي سحيق الغور فالأرض كل الأرض سيان، تفر من روما فتلقاك عامورة:

"انك غبي جدا اذ تفكر بالرحيل

لم تدرك بعد ان لا فارق بين وطنك

المقسم كالحظيرة

وبين الأوطان المسيجة كالمراعي

ستخرج من سدوم لتلقاك عامورة

فاتحة فخذيها كابوب قلعة مهدمة ".

        كلما قرأت كلمات الديوان استعلت النيران برأسي ، ولكني ستكنه الحريق، ولاعترف لنجوان بان قد مر زمان لم اقرأ فيه شعرا بهذا الطعم الحرق يزر عني في حقل محشوة أرضه بالألغام!

 

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 02 ابريل, 2007 01:40 ص , من قبل originality

بانتظار تعليق نجوان الذي أرجو ألا يطول
مع تحيات تيسير لكما



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية