رانه نزال شاعرة من الأردن أصدرت مجموعتها الشعرية الأولى عام 1998 بعنوان "فيما كان" تحمل شهادة البكالوريوس والماجستير في الأدب العربي من الجامعة الأردنية، لها دراسة بعنوان: "قصيدة النثر وأنسي الحاج" وهي أطروحة الماجستير في الأدب العربي، وهي عضو في رابطة الكتاب الأردنيين والاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب.
"عمان الثقافي التقت الشاعرة رانه نزال وكان هذا اللقاء:
§ مجموعتك الشعرية الأولى، لاقت استحساناً من قبل الدارسين والنقاد، ومن الدراسات النقدية الجادة، هل كان هناك تميز على صعيد الشعر أم ماذا؟
بداية، الشكر لـ "عمان الثقافي" لهذا الحوار الذي يتيح لي فرصة التماس مع القراء، ويفسح المجال لحديث داخلي تنجلي فيه تصورات ورؤى قد يستحدثها، ويعبر عنها هذا البوح، الذي أعد بخصوصيته واندغامه في العميق والسري مني، لثقتي بقارئ بصير يستشف، وينعم بما يمليه عليه التمعن من استذهان للمقروء والتفكير فيه، وقبل...
الصوت الشعري بحد ذاته جديد جدة عالية، باشتراط خصوصيته وانتفاعه بما هو شخصي في تجربته وجمعي في حسن وذائقة الهم الجمعي المرتهن بذلك الإنساني التواق إلى الأمثل والأعدل والأكمل، وعليه جديدي وجديد غيري جديد.. ثم ما في محاملتي من قبل على الجراحات السخينة دونما استجداء ولا تأوه، بل بحرقة، هذا الوجع الذي ينبثق من الألق حين يطيب، مضافاً إليها انشغال روحي بالحس الصوفي، واندغامها في النص القرآني الجليل، هذا الذي له حلاوة وعليه طلاوة، ولا ينشغل عنه إلا من قلوبهم غلف، كتبت طبعاً في ديواني الأول فيما كان قصيدة النثر كجنس أدبي لقيت فيه القدرة في احتضان فوضى وحرائق الداخل، والعزف على ترنيمات الروح الداخلية ملتزمة إيقاع قصيدة النثر الأقدر على ترجمة الكثافة والاختمار والفوضى.
§ تميزت مجموعتك بأوجاعها الداخلية وقارؤها يستطيع بسهولة أن يحدد ملامح شخصيتك الحالمة والمربكة، لماذا؟
لماذا ماذا؟ أتقصد لماذا الشخصية الحالمة والمربكة معاً؟ أم تقصد لماذا الغوص على الداخلي السخين؟ أم لماذا سمحت للقارئ أن يطل على هذه الحروق وهل تعنيه؟ أما ماذا؟
افتراضاً لماذا شخصيتي حالمة ومربكة، أنا ضد صفة حالمة، ومع مربكة، انشطاري الداخلي بين عالمين الأول يأمل ويتوقع ويتوق ويشتاق ويتمنى، والثاني يخذله الواقع بتفاصيله وأحداثه وطبيعته، الأمر الذي يربكني أساساً ثم يتسرب إلى عالمي الشعري ورؤاي الخاصة، وطبعاً أنفلت بالضرورة من العالم الثاني وأتحرك صوب الأول شعراً، فتندلق الجراحات والقروح، ولكني مطلقاً لا أجار أو أستجير بل أشكل رؤاي الشعرية الرافضية الساحقة لكل ما هو واقعي ومرتقب ومتفق عليه نحو فطرية الداخل وطفولته السحيقة وتعميماته التي لا يقايض عليها، كل هذه تجعل من المجموعة الأولى التي تخصني، مربكة إذا ما حاول القارئ أن يقول ماذا؟ ولكنها بعيداً عن هذا عالم سحري من اللفظ والتركيب العجيب الذي تأخذ الكلمات فيها برقاب بعض مفضية بالقارئ بعيداً عني إلى عالم من الأسئلة المفتوحة على خصوصية التجربة وانفرادها وتميز أسلوبها المنبثق من خصوصيته، هذا الحديث الحريق الجواني أصر أنه نيران الواقع تلسع بلهبها القارئ الشفيف الذي بالضرورة تطاله هذه النيران وتكوي ضلوعه، وما أنا إلا صورت الداخل العميق لصدى المأمول في مواجهة المتوقع.
§ يبرز بشكل واضح التناص القرآني في معظم قصائدك على ماذا يؤشر ذلك؟
عجبت منك كيف تسأل الشمس عما يخصها من ضوء، وترقب منها؛ أن تقول لك لم هي مضيئة؟ ومع ذلك ولأني أؤمن أن الأسلوب يخص منطقة النقد والكشف عنه غايتها ومبتغاها والغوص على دلالاته مؤشرها وبوصلتها، وهنا يمكنني بعيداً عن ذلك أن أقول حفظت أجزاء من القرآن الكريم، وشغلت بعظمته وعنيت بها وسحرني جلاله اللغوي المعجز فتوسلت القول بالتناص الذي يعني الاعتراف والإقرار بإعجاز الأصل ومحاولة الخنوع بين يديه عرفاناً وإجلالاً.
§ لك دراسة غير منشورة، نلت عنها رسالة الماجستير والتي تحمل عنوان قصيدة النثر وأنسي الحاج، لماذا كان اختيارك لأنسي دون غيره من الشعراء؟
أنسي الحاج المنظر العربي الأول لقصيدة النثر، أخذ على عاتقه التعريف بها والتصريح عنها وتبنيها كجنس أدبي، عبر عن نفسه به فكانت مجموعاته المختلفة، بدءاً بـ "لن وليس انتهاء بالخواتم، وأنسي في مقدمة ديوانه لن كما يعرف الدارسون وأهل الأدب من ذوي الاختصاص أعلن عن قصيدة النثر كجنس، وحاكاها مقراً بوجودها ومحباً لها ومعلناً بداية الاختراق، ومسروراً بذلك، دون أن يتحسب من تجير ذلك مع أو ضد الغرب، وكانت الرحلة مع قصيدة النثر وكأنها ثمن التمييز".
الذي إما أن يجعلك ملاكاً أو شيطاناً، فلم تحتضن ولدت هكذا لتجابهه من هم ضدها لأجل الضدية فقط، أو رحب بها لأجل الترحيب والتغيير فقط، دونما وقوف على أصلها وجذرها وتاريخها وتواجدها في التجربة الأدبية العربية وفي الكتابة التراثية، وأنا أجد كتابة الحلاج الطواسين قصيدة نثر، ووقفت على علائم قصيدة النثر التي تجعلها أكثر غنى في اللغة العربية الغنية بقدرتها الخارقة على تجاوز ذاتها والفيض عن ذات ممتلئة وساحقة السحر.
§ ما موقف الشاعرة رانه نزال من الحركة النقدية في الأردن وخاصة مع بروز ما يسمى النقد "الإخواني" الذي يتعامل مع الاسم دون الإبداع؟
النقد إبداع على الإبداع، والتحرك في دائرة النقد أمانة ومسؤولية، وبالتأكيد مرتبط بالمنهج النقدي العلمي الذي يختار الناقد لنفسه بدءاً من مناهج النفس الانطباعية أو النفس التركيبية أو الاجتماعية أو النبوية بأشكالها التحليلية والتفكيكية والأحداث الفراغية، وفي الحركة النقدية العربية وكما كل الحركات الاجتماعية البانية تتطلب المسألة زمناً، ويعتبر الوقوف على نص إبداعي حادثة عارضة بعيداً عن الشللية والمحسوبية والتعامل الرخيص عن البعض المرتبط بالعلاقات.
لا المنطلق من موت المؤلف حقيقة وتجلية النص و الكشف عن مغاوره وفحص أعماقه وتشخيص دلالاته، هذا الفحص المهني الطبي مخترق في الحركة النقدية المحلية بخاصة لارتهانه بدوافع أخرى إلا من رحم ربي، وقد قيل في مجموعتي كلمة حق أريد بها حق، وكانت برداً وسلاماً على روحي، لكنها ظلت مقولة مقالية، ولم ترق إلى مستوى الغوص على النص جملة وتفصيلاً وأسلوباً. أحاول بكل جهدي أن أبرأ من النقد "الأخواني" أو الشكلي، ولو كانت الضريبة بتهميش الديوان، وتهميش خصوصية التجربة فيه.
§ ماذا عن الحركة الشعرية النسوية الحالية في الأردن ومن هناك تميز فيها عن سابقتها؟
في الحياة جدة تستحق الاحتفاء، وأعراس تحفل بالمواعيد الصاخبة والوعد بالحياة، نعم الحركة الشعرية النسوية تضيف كما أضافت سابقاً، وتنحاز كما هو العهد والحال فيما مضى بقدرتها على حمل خصوصية التجربة الأنثوية المنبثقة من خصوصية الأنثى لا كمميز بل كحقيقة، ثم التطور الاجتماعي والأبعاد الاقتصادية والسياسية، والانهمام بالكشف والمعرفة ضمن القدرة على غوص التجربة ذاتياً، وفرض اشتراطات التحدي سمة أصيلة وترقى في التجربة الشعرية النسوية إلى حد إذا ما تجاوزت فيه الأنثى الشاعرة صرخات الترجّي والاستجداء صوب الكشف والغوص في الأعماق، جراحات ونداءات هذه الأعماق، صلواتها الحميمة وصلاتها العميقة بالآخر والحياة عندها سنحظى بتجارب مضيئة في سماء الكتابة الشعرية النسوية إنطلاقاً من المحلي الذي يعني الخصوصية وصولاً إلى العربية والعالمية. في حس الشفاف الشفيفة التي تبرق في أعماق كل إنسان.
§ كيف تقيمين الاستعدادات الحالية في الأردن بعد اختيار عمان عاصمة للثقافة العربية من قبل اليونيسكو عام 2002؟
شكلية وظاهرية استعراضية، تمت الموافقة على كون عمان عاصمة للثقافة عام 2002 كما تم ويتم اختيار المدن الأخرى، وماذا بعد؟ أين الجذر في هذا؟ أين الحالة الثقافية المنطلقة من حقيقة تاريخ المدينة ربة عمون فيلادلفيا الحاضرة للحضارات والحاضنة لإنسان ما قبل العصر الحجري، كيف يمكن ترجمة هذا التاريخ المتراكم في طبقات جبل القلعة إلى حقيقة معاشه ومعايشة تقدم لأبناء عمان ولروادها وعشاقها؟ حتى اللحظة أين هذه الانبثاقية والمعاشرة لروح المدينة, وهي روح غنية تهدل حمائها بتراث وجذور ولا أغلى، هذه الاستعدادات على قدم وساق من حيث المعمار والبناء والعناوين الضخمة، الأهم التقدم ببرامج ثقافية عميقة تسافر في عروق المدينة، تحكي حكايات أبوابها وطاقاتها وياسمينها، تفيض على عروق كبار السن فيها، وتقدم الخفي السري العميق... هل يمكننا ذلك بحداثة وعمق؟ إن فعلنا فإننا فعلاً نحظى بمدينة ثقافية في تاريخها لا في واقعها الثقافي المعاصر، تاريخ ثقافي لا واقع ثقافي ولعل الأول يغفر الأخير إن أجدنا تقديمه وبثه ونقله، وإن فشلنا فلا نحن في الأول ولا في الأخير، ونخسر فوراً استحقاق هذه المدينة علينا، وفقط نحن رعاياها الكسالى المتموجون حسب الموجة، نعتليها إذا علت، وننام إذا ما ارتخت، وليس لنا من الامتداد شرفه ولا جلاله.
§ لكل كاتب ثيمة تسيطر عليه لحظة الكتابة، ما الثيمة التي تسيطر عليك في هذه اللحظة؟
لكل كاتب طقس كتابي، وانشغال وجداني يملأ عليه روحه وحواسه فيفيض عنه، والنقد العميق هو معبر بالداخلي، تبصر به حد التبؤ. والحديث عن النفس كشف وبوح سري أحاوله في حديثي معك صادقة, ولا يبس السؤال علي فإنما أعرف جيداً من أي ثيمة أتحرك، وما الدافع الحار في أعماقي الذي أتوسل به الحرف والكتابة ألاّ وهو الحرية، كشف عن دوافعها، وغاياتها، وأغراضها، ووسائلها، ومحاولة لتجديد ماهيتها؟ واشتراطاتها الإنسانية الطائرة التي تميزني عن غيري وتجعلني صاحبة بصمة وجودية فارقة، الثيمة هي فعلاً العلامة الفارقة التي تعني خصوصية الذات الكاتبة ومحورها المحرك، هي فلك ينغلق على صاحبه ويحكم الطوق مولداً الرؤية والأسلوب واللغة والجنس الأدبي، الثيمة بتزاوجها. من الخبرة والمعجم والدوافع النفسية تعني باختصار الكاتب: أكرر ثيمتي الحرية التي أقول عنها يا رانة.
ما بك حب
بل حرية
فاحضني برحمتك
كل الذين قتلوك
§ ماذا عن جديدك؟
الجديد حياتي بحد ذاتها جديدة ومتجددة، وإن كانت القصة جديدي الكتاب فقد نشرت الكترونياً ديواني الثاني إسراء الذّهب، وأنوي توزيعه في صورة كتاب قريباً، وأفكر جديّاً بنشر دراستي في قصيدة النثر وأنسي الحاج.








