لم يكن هذا الحوار مع الشاعرة رانه نزال لمناسبة صدور ديوانها اللافت "فيما كان" أخيراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بل هو محاولة في استجلاء صورة الكتابة ومستقبلها ونوعها عند المبدع من حيث هو كاتب شاب.. في حين أننا نتفق جميعاً، ربما، على أنه ليس امتيازاً أن يكون المرء كاتباً في هذه الأثناء.. تحديداً لأن الكيان المعرفي والثقافي للدولة والمجتمع لا يتعامل مع الكتابة بوصفها مهنة وصنعة وبوصفها علماً وطرائق وخبرات تكتسب لتتحول إلى تجارب ومعارف في بعض الأحيان.
إن الكتابة في نظر مجتمعنا هي فعل سياحة أو استكمال للديكور الخارجي للشخصية الاجتماعية، ليست مكابدة أو احتراقاً..
هنا حوار مع الشاعرة الشابة:
§ أنجزت مجموعتك الأولى قبل فترة قريبة، ظهرت علينا كاتبة.. هل يعني ذلك أن ثمة شيئاً ما تقولينه لنا؟
طبعاً هناك الجرح السخين يفغر فاه، تعوي الروح فكل القبح يلمم جنده ويحاصر الأحلام والأفراح، يقتلها في السهاد، فأين الرافضون؟ أين الذين يقاومون المد الذي يأكل الروح لصالح الاستهلاكي والرخيص، والمفجع، نعم.. في مجموعتي تحديق في السقم عل النور ينبلج من عمقه.
§ كيف بدأت الارهاصات الأولى للكتابة.. ولماذا تشعرين أنها قد تمخضت عن جدوى ما؟
الاحتجاج والرفض، غربلة المحيط، واستبطان المرئي، ولد حالة صمت قاسية مريرة في أعماقي فاضت على أدوات الكلام عندي فجعلتني لا أقول، لا أنبس ببنت شفة ولو مضطرة، استتبع هذا الكشف المبكر للمرارة والسواد، اضطرام حاد في الأعماق، وانزواء روحي، جعل يفيض عبر القلم الرافض من خلال توصيفه لعتمة الروح، وانشغاله بانهداماتها وميله للانفلات من ما يستحق، من غياب العدل، وانعدام العدالة، وزيف العلائق، وافتعال المشاعر، وكل الأوبئة التي استشرت في جسد الأمة فصارت غثاء أحوى جعلتني اكتب لأخفف ما بالروح والبحث بحثاً ضارياً عن توازن يعيد اجتياح الذات لضابط يرقب ما يحط، ويرصد ما يتمنى، ولا شيء عدا الكتابة يفعل بي هذا الفعل السحري الخارق.
§ حدثيني عن المرة الأولى التي كانت القصيدة فيها قد استقرت بوصفها خياراً للتعبير..
لا أذكرها.. لا اذكر المرة الأولى، اذكر زمناً لا ورقة ولست أقرأ على نوع فلست أدري ما الذي تعده لي أناي، وما ستقول وقد خزنت فيها الكثير، ولها وحدها أن تنتقي وتفعل وتختار.
§ أين تتكثف قراءاتك.. هل هناك خيارات استراتيجية في قراءاتك؟
اقرأ ما يلتذ به الفكر، ويخير الذات فتنحني له منحازة إلى ما يعزز وجودها الكوني الارادي العميق، ويهذب اتصالاتها وردات فعلها الخاطئة، وحتى اللحظة لا أفهم الخيار الاستراتيجي في القراءة، هناك ما يقبض علي فاستسلم له منصاعة، وهناك ما ألقي به غير عابئة أحياناً وماقتة في أحايين أخرى.
§ كيف تنظرين إلى موقعك في المستقبل.. ليست الإشارة هنا إلى المستقبل الشعري كفن فحسب.. بل إلى موقعك بالنسبة للمجتمع، المجتمع الذي يمضي نحو ضياع ما.. ضياع عن المعرفة وضياع عن الجمال وضياع عن نفسه؟
أفهم الجدية اللازمة التي يتطلبها تحصيل موقع مميز داخل واقع مصطرع، وأؤمن بانحياز الحياة بمعناها العميق للشعر، وأرى الزمن الذي تتوب فيه البشرية عن ادران انسلاخها عن لغة الحب والشعر، ندم لن يجدي إذ سيأتي بعد فوات الأوان، أما المجتمع ففيه جلال لا يمكنني إلا أن أنحني له إذ فيه الأم تحضن صغيرها، الفقير يصطبر على فقره، هذا انتصار النور على النار، عروج البشر الضعفاء ذوي الشهوات إلى حيث القه رغم كلاليب الشيطان، لا أتوق إلى موقع أكبر من الصبر والجمال وسط هذا الجلال.
§ أخيراً لنتحدث عن مشاغلك اليومية.. وهل في ذلك ترين نفسك كاتبة وأنت تتعاملين مع الآخرين؟
اليومي خبر الإبداع، رغيفه الساخن، مذاقه، ونكهته تتسلل إلى أعماق الابداعي وتفوح منه.
أما الآخر اليومي، والآخر الابداعي، فلا أرى بينهما فصاماً أو فصالاً، بل أرى عزلة ووحشة وخيبة تجعل المبدع في يصمت أحياناً ويخرس في أحايين أخرى أي يرى مفاهيم طغت بسطوتها، وعلت بهيمنتها، وقل الحماة لضدها وعكسها، وانسحق عمقها، ورفضت رقتها، فلا أميل حيث يميلون، بل اصمت صمت العارف، أنحاز إلى حكمة الصمت وألم الانكواء بجمر المعرفة في مقابل سخرية اليومي، ومحاولته العبث بنبل تحرير مفاهيم ما بخل العظماء عليها بالغالي والنفيس.











من يوغوسلافيا
شاعرة مجنوووووووووووونة