بيت العين
بيت رانه نزال الذي تسكن فيه بمزاجها الشعري
قصيدة النثر هي الأقدر على الارتقاء بذائقة الجمهور

رانه نزال: على الشاعر أن يتقن التوغل في نصه ويقذف الحمم على الأرواح الخاملة

"جيتان" هو الاسم الذي أردت من خلاله الكشف عن عوالمي الداخلية.

 

حاورها: زياد العناني

بعد مجموعتها الأولى "فيما كان" الصادرة عام 1998 تستعد الشاعرة "رانه نزال" المولودة عام 1969 والتي تحمل شهادة الماجستير في الأدب العربي/ الجامعة الأردنية لاصدار مجموعتها الثانية "إسراء الذهب" التي تستثمر فيها الوهج الغنائي وبنية السجع القديم.. وهي بذلك لا تغادر المفاصل الشعرية لقصيدة النثر بقدر ما تؤكد على وجود شبكة من الوسائط التعبيرية في هذه القصيدة التي تصلح لأن تكون ممسرحة لما فيها من خلاصة لغوية وأسلوبية قادرة على التجريب والانفلات.

 

"الرأي" التقت الشاعرة نزال وأجرت معها الحوار التالي:

لست راضية

·        بداية ما هو جديد رانة نزال على صعيد الكتابة والتجديد؟

الجديد يتمثل الآن في مجموعة "اسراء الذهب" وتضم قصيدة طويلة وتوقيعات وهو ترتهن لما هو متاح لي من مساحة زمنية تترك لي أن أقطر شعراً. أنا الآن أكتب الشعر ولكني غير راضية عنه، ومع ذلك أسجل حرائق الشعر دون أن أتأملها أو استدرج الروح العميقة وأسجل الخطف الشعري، العجيب فيما أكتب هو الميل السطحي للغنائية، وكأن استمرارها اشتباك مع ما هو حاصل وسخرية في الوقت نفسه.

 

·        ما الذي دفعك مؤخراً إلى الميل السطحي للغنائية؟

أنا اعتبر أن قصيدة النثر تنبثق من بركان الرفض وانفلات المنبثق من خيبات مريرة وتوقعات دامية وأحلام كبيرة جداً على مستوى العلاقات والحياة والتبصر بالأشياء، الأمر الذي يولّد كلمات تأخذ بعضها برقاب بعض في صور مختزلة وكثيفة تقدم أسلوب كاتبها من حيث المعجم والحصاد الثقافي والخبرة الحياتية ضمن إطار رؤية خاصة متفلتة عن السرب ومتعمدة كسر الانساق، وهذا ما تسبب في بروز أشكال من الكتابة الشعرية التي تميل إلى الغنائية والوزن. بالطبع أنا لا أقصد اني محاربة سقط منها الترس ولكني أخمش بالترس الواقع اليومي الذي نجم عنه استرخاء وجداني دفعتني إلى محاكمة أسباب الانفلات والتحديق الجواني فيها. فكانت القصيدة الأقرب إلى الغنائية أو الوزن في "اسراء الذهب". ربما هذا الكلام الأليف يجب أن يقال على لسان النقاد فكتابتي الشعرية هي بدل ضائع وضائعة.

 

الطرق على أبواب السماء

·        من يقرأ قصائدك الأخيرة يلاحظ مدى التعالق النصي مع بنية السجع القديمة. والسؤال هنا لماذا تهملين الوزن وتبرزين القافية وما الذي يبرر وجود القافية؟

بداية أنا أتحرك ضمن فلك صوفي وجملة قراءاتي تنمو في حالة التصعيد والعروج الجواني من حما الطين إلى قناديل السماء، ولا بد أن تمر برحلة الأشواق والانخداشات والعذابات الداخلية مسكونة بالهجس بالحبيب الأوحد، وقد برز السجع هنا كشكل من أشكال الطرق على أبواب السماء في رقصة هذه الروح الذبيحة.

 

·        تعددت مرجعيات قصيدة النثر في الكتابات النقدية كشاعرة، ما هي المرجعية التي تطمئنين وتركنين إليها؟

أسلفت في الحديث إلى الرفض للطعن في الحياة الذي يناقض منطق الحياة المتمثل في المحرمات لا المقدسات والشفافية الباهظة. قصيدة النثر بكثافتها واختزالها وإيقاعها السري وقدرتها على تقديم خلاصة لغوية وأسلوبية هي الأقدر على التجريب والانفلات. دوماً في أذني نص القرآن الكريم الذي هو قدس الأقداس والذي هو الكلام الذي له حلاوة وعليه طلاوة بصوره اللغوية ومفرداته المسجوعة وفي إيقاعه الموسيقي الساحر الذي يقدم مرجعية لقصيدة النثر بالإضافة إلى أعلام الصوفية، وأنا هنا أعني قصيدة النثر رفيعة المستوى التي تشبه شعراً منكوشاً أو قنفذاً يدافع عن نفسه، دونما أي نسق ألا نسق الرفض.

 

قصيدة النثر

·        هل تشاطرين بعض نقاد الراي بأن قصيدة النثر قصيدة بصرية وليست منبرية؟

هذه تهمة مردودة تعبر عن ضيق أفق لأن قصيدة النثر هي الأقدر على الرقي بذائقة الجمهور العام. لأنها ليست القصيدة منبر فقط بل هي قصيدة ممسرحة تقدم اللوحة التشكيلية والحركة الأدائية والايمائية التي تكشف ما وراء هذه الكثافة اللغوية وتقدم لجمهورها شبكة من الوسائط التعبيرية التي تصعد بروح المتلقي عالياً وتدفعه للاشتباك مع عوالم كاتبها فتمس النبض السري في روحه ويصيبه منها الق الاستمتاع واللذة وما يحدث مع قارئ قصيدة النثر على المنبر يمثل صدمة لها علاقة بتتوقع الجمهور وتعوده على نمط الأداء للقصيدة العامودية أو قصيدة التفعيلة.

ولست هنا ممن يستخفون بذائقة الجمهور أو يتوقعون منه شيئاً. فقصيدة النثر هنا هي خبرة مقدمة مجاناً على حساب الدم والأعصاب من كاتب قصيدة النثر إلى جمهور استكان بسبب ما يقدم له، ولن اقول هذا شأنه وإنما سأقول بأن على الشاعر أن يتقن التوغل في نصه أولاً وأن يقذف الحمم على لاأرواح المتلقية أو المستلقية.

 

عدت مكتملة

·        "جيتان" اسمك الآخر، والقديم ظهر لمدة زمنية معينة ثم اختفى السؤال: لماذا ظهر هذا الاسم ولماذا اختفى؟

خلف هذا الاسم كان الجين والتحايل ظاهراً، أردت من خلاله أن أكسر حاجزاً اجتماعياً، لأقول ما أود أن أقوله عن عوالمي الداخلية بمواربة.. أردت أن أقول أنا لست أنا وعندما كبرت الرؤية في أعماقي وتيقنت من اقتداري على المواجهة عدت إلى "رانه" وابتعدت عن فذلكة الرفض وجبن الاختباء والتمسح باسم تحركت فيه ضمن دائرة ضيقة ومشروخة عنوانها الآخر الذي يسمى "جيتان" أو الغجرية دون أن أعي، فعدت مكتملة إلى اسمي وتاريخي وواقعي.

 

·        في أغلب قصائدك تظهر الفصامية كما تظهر العلاقة المشروخة والمركبة بين الرجل والمرأة. برأيك أين يكمن الخلل في هذه العلاقة؟

كل النساء الفاعلات الايجابيات ينطلقن من تحديد الجنس الذي يفرض نفسه عليهن، لا كخيار بل كمصير ويرقبن الهوة الشاسعة بين منطق التعامل الاجتماعي مع الذكر كجنس وذات المنطق القهري مع ذات الأنثى كجنس. بعضهن يستسلمن وتنام البذور الطامحة لحياة أسعد وأرغد وفيها مد وجزر تبادلي يجعل الدائرة تكتمل والمجتمع يتحرك بعيداً عن السكاكينية الشكلانية في نفسير ظاهر النص التشريعي وبعضهن الآخر يدخلن في الموات وتنتهي الحكاية والرجل السعيد بمكتسباته وبالاعراف الاجتماعية دون أن يدرك بأنه الخاسر الأكبر لما يعطي الحياة طعماً ولوناً ونكهة ورائحة واقصد هنا الأنثى الفاعلة. والخلاصة هي أن حركة المجتمع البشري تؤكد أنه حين كانت الأنثى فاعلة تألق وتصاعد، وحين كانت خاملة انتهى إلى الموات، ومن يبحث في حضارتنا العربية الاسلامية سيكتشف ويدرك هذه الحقائق، وبعدها لن يستسلم لما دُسّ فيها أو فسر منها بقصد أو بدون قصد.

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية