القراءة فعل إنساني يختصُ بمنطقة تحليل الرموز التي تعارفت عليها الجماعة، وهي علاقة حميمية تربط القارئ بالنص في فعل تواصلي يجعل منه المخرج والمصور والمحلل والناقد والباحث وكل مترادفات التفكير في مستوياته العليا، وهي عند ''امبرتو ايكو''، ''نسيج من الفضاءات البيض والفجوات التي يجب ملؤها، ومن خطها يترقب ملء الثغرات التي تركها مدركاً وبالنص من فائض معنى يترجمه المتلقي، ومنتقلاً بقصدية بالنص من معناه التلقيني إلى وظيفته الجمالية التي لابد أن يتصدر لها القارئ مؤولاً ما جاء فيه''، وهنا يتجلى هذا التلاقح، وهذا الحبل السري الممتد بين النص والمتلقي، ولعل السؤال المرتبط بموضوعة النص قد تلاشى، فالمعاني مطروقة على قارعة الطريق - حسب الجرجاني - وهي الفائض الذي أدركه عنترة بن شداد في مطلع معلقته عندما قال:
هل غادرَ الشعراءُ من متردمٍ
أم هل عرفتَ الدار بعد توهمِ؟!
وبافتراض النص الجمالي الأدبي نحن نستدعي هنا القارئ الناقد بلا شك، وهو القارئ الذي يعاني من سهد مثالي حسب جويس، وهذا السهد هو دافع المتلقي لتوسيع وتحديد النص فيكسبه الحراك الجواني، وكأنه يعيد كتابة النص إنما في مخيلته وعقله عبر عمليات التفكيك التي تخصه، والقارئ المبصر صانع لوحدة النص الذي تنسجه ثقافات متعددة تتداخل في حوارات باطنية كاشفها القارئ حسب ''رولان بارت'' هذا التأثر والتأثير، هذا الاتصال والتشابك، هذا النص المتجدد على يد القارئ البصار يحوله إلى كاتب ثانٍ كما يرى ''باتريك أونيل'' فإنه ومما لا شك فيه أن كل الأعمال الفكرية تحوي في ذاتها صورة القارئ الذي كُتبت له ''جان بول سارتر'' وإذ يحضني سؤال التحزّبِ القرائي الذي أقصد به - لم نجد أن للكتاب أحزابا من القراء، لم تنهمك فئة بالدفاع عن أدونيس مثلاً في حين تتضاد معه فئة أخرى - في مصطلح أطلق عليه التحزّب القرائي، أقول ما قلت سابقاً بخصوص القراءة بغاية تنوير المنطقة التي تختص بالقراءة كفم أعمى تُعن بتلقي النص ضمن جهوزية تشترط قبلاً أرضية تشاركية، وتعلن سلفاً انحيازاً وتحزباً من حيث المبدأ يرتهنها للنص فتلقي بنفسها عند ضفافه، أو تنأى عنه.
ويظل النص القضية، النص القيمة، لا النص الفكر أو الأفكار هو الذي يستوطن أعماق الإنسان، ويحرك دواخله، بل ويغير سلوكه في الحياة، النص القيمة.. نص مشغول بخلاصة تجربة موّارة، وبحنكة وحبكة إنسانية تقبض على المتلقي وتجبره على ملء الثغرات حيث تحدد هي سلفاً أماكنها، وإلا ما الذي يجعل الأعمال الأدبية خالدة، منارات نستظل في فيئها ونتعلم منها دروس القيم الأرقى، أنى لـ ''مرتفعات وذرنج''، و''البؤساء'' و''الأم'' والكثير الكثير من الروايات أن تظل حداثية وحديثة في إنسانيتها رغم ما يفصلنا عنها من زمن لولا هذا العبق القيمي الجليل، وهي التي جعلت من قرائها كتاباً ومتلقين حقاً.
وإذ نميّز جمعاً بين القراءات بمستوياتها الثلاثة النقدية والجمالية والشعرية، فإننا نعي تداخلها، وندرك تفاعلها، وفقط حقٌّ للنص أن نرعى فيه المستويات الدلالية، حيث بعض النصوص لا يفيض عن أكثر من مستوى سطحي أقصد فيه أن الكلمات تحتفظ بمعنى واحد، في مقابل القراءة العميقة التي تستدعي ميداناً دلالياً من الكلمات، وتلك القراءة التناغمية التي تستدعي أن تتوارى فيها المعاني، والقراءة النصية فإن تحضير القارئ للنص يتطلب جهداً تدريبياً واستقراءً للكيفية التي تتشكل فيها معاني الأعمال الأدبية في وجدان القراء وذواتهم لتقرّ في ذاكرتهم غير الخرساء.
مقال في جريدة " الوقت " البحرينية 16/3/2008م








