‘’كان الحدث المركزي في حياتي وجود الكلمات، وإمكان حياكة هذه الكلمات وتحويلها إلى شعر’’.
هذه اللقطة اللحظة التي تقاطعت فيها مع ‘’خورخي لويس بورخيس’’ في كتابه ‘’صنعة الشعر’’، لقطة ترجمت لي حياتي، لحظة أيقظتني أمام مرآة تقصيت فيها - معه - معنى وجودي، فاشتريت الكتاب، أهديته لنفسي، إذ عادة ما أدللني بالكتب، وما خاب ظني إذ كانت لحظة تصفحي له، لحظة سرمدية حسب كيتس الذي يؤكد أن ‘’الجمال متعة أبدية’’، ولكنا نوافقه، ونتقبل مثل هذا النعيم برحابة صدر، وغبطة تؤكد مشاطرتنا له رأيه.
بورخيس في ‘’صنعة الشعر’’ الكتاب الصادر عن دار المدى بترجمة مصدر لها صالح علماني فأمتع ونقل أجواء المحاضرات الست التي ألقاها بورخيس في جامعة هارفرد سنة 1967 كمحاضر زائر واستفتحها (بلغز الشعر، فالاستعارة، فن حكاية القصص، وموسيقى الكلمات والترجمة، والفكر والشعر، ومعتقد الشاعر) هذه الفصول أو المحاور التي ألقاها بورخيس على جمهور مستمعيه غيباً حيث لم تكن الرؤية عنده تسمح له بالقراءة من دون، بل اعتمد حافظته التصويرية، وارتجل ملاحظاته واستعاد من ذاكرته الأسماء والأبيات الشعرية في حضور جليل يقظ حساس على اللغة، وقادر على الخوض في غمارها، في اشتقاقاتها وحساسيتها الباهرة، وقد ظل وفياً لفكرة أن لا شيء مميز لديه يقوله، وأن حاله حال القديس أغوسطين في قوله: ‘’ما هو الزمن، إذا لم تسألوني ما هو فإنني أعرفه، وإذا ما سألتموني ما هو، فإنني لا أعرفه’’، يقول بورخيس ‘’وأنا أعتقد الشيء نفسه عن الشعر’’، وأن كل الإضاءات التي حاولت قول الشعر ستظل تتعثر إذ بالشعر ما لا يقال، فبنيديتو كروشه في كتابه ‘’موجز في علم الجمال’’ يعرّف كلاً من الشعر واللغة على أنهما (تعبير)، ويناقش بورخيس ذلك ليقول: ‘’يمكن القول إن الشعر هو، في كل مرة، تجربة جديدة، فكل مرة أقرأ فيها قصيدة ما، تحدث التجربة، وهذا هو الشعر’’.
هذا كتاب لا يُقدم مسلمات، ولا يعارض مسلمات، هو تدوين ثمين لوجهات نظر قيمة، ولتبحر بمزاج رائق، ولخلاصة اتصال وثيق بالشعر والكتابة عنه وحوله، فيه رفض ونبذ صريح للتجنيس ومحاولة للخوض في غمار الأجناس الأدبية، إذ ما على الشعر لو حمل الرواية وذا أصل فيه من خلال الملاحم الشعرية، وما على القصيدة أن تكون باهرة لو صدرت عن شاعر كبير، فهذه مسألة يعنى بها مؤرخو الأدب، وفي الشعر من الجمال ما يمكن أن يسخرنا دون أن نعرف شاعره، ويرى بورخيس أنه ربما من الأفضل ألا يكون للشاعر اسم حتى تظل بنا القدرة على (الدوخان) وذا تعبير استعمله عند الإشارة إلى تأثير الشعر العميق الجليل، إنه ولا شك شعر يدوخ.
وإذ يعالج الاستعارات فإنه ومجدداً يرفض الفصل القصري والقمعي بين الاستعارة والتشبيه، ويقول لا أرى فرقاً، ولا يهمني الفرق بينهما بل المهم هو التأثير، بهذه الروح يخوض بورخيس في غمار تجربة يعايشها قارئ صنعته ليستمتع ويدوخ.
ويحمل الكتاب استشهادات دافية، واختيارات تطبيقية لوجهات نظره المختلفة توغل بين الأدب الانجليزي والألماني والإسباني والصوفي العربي فلجلال العرين بن عطار وللجناح وترجمته على يد فيتز جرالد تلك الترجمة التي ظلت خبيثة الرفوف حتى عثر عليها كل من سوينبورن ودوزيني وأذهلهما جمال الترجمة، التي يناقش بورخيس مجدداً العلاقة بين الترجمة الحرفية والترجمة الحرة، كما يطلق عليها ومن العجيب أن يتصدر للحديث عن جمال الترجمة الحرفية ويربطها بفكرة الكتاب المقدس الذي لا يجوز التلاعب بنصه ولا حرفه.
هذا كتاب يختصر صاحبه فيه موقفه من سؤال
- لماذا لم تكتب الرواية؟
فيرد: لم أحاولها، لأن الكسل طبعي، ولأن الروايات تصيبني بالملل بما فيها من حشوة’’.
ويختصر كلامه كله بقوله: ‘’عليّ أن أخبركم بأنني لا أملك أي معتقد خاص، باستثناء قلة من الشكوك والاحتياطات التي حدثتكم عنها، وإنني عندما أكتب فإنني أحاول ألا أفهمه، فأنا عندما أكتب، أحاول أن أكون مخلصاً للأحلام، لا للظروف، وأنا لم أعد أؤمن بالتعبير، إنني أؤمن بالتلميح فقط’’.
هذه اللقطة اللحظة التي تقاطعت فيها مع ‘’خورخي لويس بورخيس’’ في كتابه ‘’صنعة الشعر’’، لقطة ترجمت لي حياتي، لحظة أيقظتني أمام مرآة تقصيت فيها - معه - معنى وجودي، فاشتريت الكتاب، أهديته لنفسي، إذ عادة ما أدللني بالكتب، وما خاب ظني إذ كانت لحظة تصفحي له، لحظة سرمدية حسب كيتس الذي يؤكد أن ‘’الجمال متعة أبدية’’، ولكنا نوافقه، ونتقبل مثل هذا النعيم برحابة صدر، وغبطة تؤكد مشاطرتنا له رأيه.
بورخيس في ‘’صنعة الشعر’’ الكتاب الصادر عن دار المدى بترجمة مصدر لها صالح علماني فأمتع ونقل أجواء المحاضرات الست التي ألقاها بورخيس في جامعة هارفرد سنة 1967 كمحاضر زائر واستفتحها (بلغز الشعر، فالاستعارة، فن حكاية القصص، وموسيقى الكلمات والترجمة، والفكر والشعر، ومعتقد الشاعر) هذه الفصول أو المحاور التي ألقاها بورخيس على جمهور مستمعيه غيباً حيث لم تكن الرؤية عنده تسمح له بالقراءة من دون، بل اعتمد حافظته التصويرية، وارتجل ملاحظاته واستعاد من ذاكرته الأسماء والأبيات الشعرية في حضور جليل يقظ حساس على اللغة، وقادر على الخوض في غمارها، في اشتقاقاتها وحساسيتها الباهرة، وقد ظل وفياً لفكرة أن لا شيء مميز لديه يقوله، وأن حاله حال القديس أغوسطين في قوله: ‘’ما هو الزمن، إذا لم تسألوني ما هو فإنني أعرفه، وإذا ما سألتموني ما هو، فإنني لا أعرفه’’، يقول بورخيس ‘’وأنا أعتقد الشيء نفسه عن الشعر’’، وأن كل الإضاءات التي حاولت قول الشعر ستظل تتعثر إذ بالشعر ما لا يقال، فبنيديتو كروشه في كتابه ‘’موجز في علم الجمال’’ يعرّف كلاً من الشعر واللغة على أنهما (تعبير)، ويناقش بورخيس ذلك ليقول: ‘’يمكن القول إن الشعر هو، في كل مرة، تجربة جديدة، فكل مرة أقرأ فيها قصيدة ما، تحدث التجربة، وهذا هو الشعر’’.
هذا كتاب لا يُقدم مسلمات، ولا يعارض مسلمات، هو تدوين ثمين لوجهات نظر قيمة، ولتبحر بمزاج رائق، ولخلاصة اتصال وثيق بالشعر والكتابة عنه وحوله، فيه رفض ونبذ صريح للتجنيس ومحاولة للخوض في غمار الأجناس الأدبية، إذ ما على الشعر لو حمل الرواية وذا أصل فيه من خلال الملاحم الشعرية، وما على القصيدة أن تكون باهرة لو صدرت عن شاعر كبير، فهذه مسألة يعنى بها مؤرخو الأدب، وفي الشعر من الجمال ما يمكن أن يسخرنا دون أن نعرف شاعره، ويرى بورخيس أنه ربما من الأفضل ألا يكون للشاعر اسم حتى تظل بنا القدرة على (الدوخان) وذا تعبير استعمله عند الإشارة إلى تأثير الشعر العميق الجليل، إنه ولا شك شعر يدوخ.
وإذ يعالج الاستعارات فإنه ومجدداً يرفض الفصل القصري والقمعي بين الاستعارة والتشبيه، ويقول لا أرى فرقاً، ولا يهمني الفرق بينهما بل المهم هو التأثير، بهذه الروح يخوض بورخيس في غمار تجربة يعايشها قارئ صنعته ليستمتع ويدوخ.
ويحمل الكتاب استشهادات دافية، واختيارات تطبيقية لوجهات نظره المختلفة توغل بين الأدب الانجليزي والألماني والإسباني والصوفي العربي فلجلال العرين بن عطار وللجناح وترجمته على يد فيتز جرالد تلك الترجمة التي ظلت خبيثة الرفوف حتى عثر عليها كل من سوينبورن ودوزيني وأذهلهما جمال الترجمة، التي يناقش بورخيس مجدداً العلاقة بين الترجمة الحرفية والترجمة الحرة، كما يطلق عليها ومن العجيب أن يتصدر للحديث عن جمال الترجمة الحرفية ويربطها بفكرة الكتاب المقدس الذي لا يجوز التلاعب بنصه ولا حرفه.
هذا كتاب يختصر صاحبه فيه موقفه من سؤال
- لماذا لم تكتب الرواية؟
فيرد: لم أحاولها، لأن الكسل طبعي، ولأن الروايات تصيبني بالملل بما فيها من حشوة’’.
ويختصر كلامه كله بقوله: ‘’عليّ أن أخبركم بأنني لا أملك أي معتقد خاص، باستثناء قلة من الشكوك والاحتياطات التي حدثتكم عنها، وإنني عندما أكتب فإنني أحاول ألا أفهمه، فأنا عندما أكتب، أحاول أن أكون مخلصاً للأحلام، لا للظروف، وأنا لم أعد أؤمن بالتعبير، إنني أؤمن بالتلميح فقط’’.
مقال في صحيفة " الوقت " البحرينية 19/4/2008 م









من البحرين
يمّه أني دااااايخه،،، مقال حلو متل حكايتك،
ممكن تعيريني هالكتاااب؟
للموافقه يرجى الاتصال على رقمي ٣٦٣٦٥٥٥٦
صباحك سيرك في القلب،
محسن المبارك